محمد هادي معرفة
226
شبهات وردود حول القرآن الكريم
فكما أنّ الآيتين ( السابقة واللاحقة ) استعاذة باللّه من مكايد أهل الزيغ والإفساد ، كذلك هذه الآية ( النفّاثات في العقد ) هي مكايد يرتكبها أهل النمائم لإيقاع الأذى . شبّهوا بالسّاحرات ينفثن في العقد . فالاستعاذة منهم جميعا إلى اللّه المستعان لإحباط مساعيهم وردّ مكائدهم في نحورهم ، وهو الملجأ والمعين . قال سيّد قطب : والنفّاثات في العقد : السواحر الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواسّ ، وخداع الأعصاب ، والإيحاء إلى النفوس والتأثير في المشاعر . وهنّ يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل وينفثن فيها كتقليد من تقاليد السحر والإيحاء . قال : والسحر لا يغيّر من طبيعة الأشياء ، ولا ينشئ حقيقة جديدة لها . ولكنّه يخيّل للحواسّ والمشاعر بما يريده الساحر . « 1 » قال شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدّس سرّه : ولا يجوز أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله سحر ، على ما رواه القصّاص الجهّال ، لأنّ من يوصف بأنّه مسحور فقد خبل عقله ، وقد أنكر اللّه تعالى ذلك في قوله : وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً . « 2 » وهكذا قال العلّامة الطبرسي في تفسيره للسورة عند الكلام عن شأن النزول . « 3 » وقال الأستاذ محمّد عبده : قد رووا هنا أحاديث في أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله سحره لبيد بن الأعصم ، وأثّر سحره فيه حتّى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء وهو لا يفعله ، أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه . وأنّ اللّه أنبأه بذلك ، وأخرجت موادّ السحر من بئر ، وعوفي ممّا كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة ! ولا يخفى أنّ تأثير السحر في نفسه عليه الصلاة والسلام ماسّ بالعقل آخذ بالروح . فهو ممّا يصدّق قول المشركين فيه : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً . والذي يجب علينا اعتقاده أنّ القرآن المتواتر جاء بنفي السحر عنه عليه الصلاة
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ، المجلّد 6 ، ص 709 ، ج 30 ، ص 291 . وقد نقلنا تمام كلامه آنفا . ( 2 ) تفسير التبيان ، ج 10 ، ص 434 ، والآية 8 من سورة الفرقان ؛ وفي سورة الإسراء 17 : 47 : وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً . ( 3 ) مجمع البيان ، ج 10 ، ص 568 .